منتدي اسرة خليفة المهدي و الامراء

[الزائر الكريم :: حبابك عشرة]
نرحب بك في منتدي اسرة خليفة المهدي و الامراء

إذا كنت مسجل لدينا فنرجوا تسجيل الدخول

منتدي اسرة خليفة المهدي و الامراء


    مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    ذكر عدد المساهمات : 163
    نقاط : 551
    السٌّمعَة : 1
    تاريخ التسجيل : 02/10/2010
    الموقع : www.omdurco.yoo7.com

    مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين أكتوبر 04, 2010 11:57 pm

    [size=21]لا شك أن صناعة المذكرات هي ضرب من ضروب السيرة الذاتية، التي تَعْرِضُ حياة مؤلفها في نطاق المجتمع الذي عاش فيه مؤثراً، ومتأثراً بأنساق العمران البشَري التي كانت تحكم دقائق بيئاته المحلية. فالمذكرات التي تجتزئ صاحبها من واقع الحياة العامة وزخمها، وتجعله المحور الأوحد الذي تدور حوله مجريات الأحداث، وتنظر إلى كل فعل يصدر عنه نظرة مستقلة عن الواقع المعيش، هي مجرد خواطر نرجسية واهية الصلة بالتاريخ، لأنها منقادة للخيال المفعم بتطلعات "الأنا" والنافي لتأثير "الغير". وذلك علماً بأنَّ قيمة المذكرات الشخصية تكْمُن في طبيعة الأحداث التي عاشها المؤلف، وتجرَّد في توثيقها وفق قراءة وصْفِيِّة لطبيعة العلاقة الجدلية التي كانت تربط بينه وبين أفراد المجتمع البشري الذي عاش بين ظهرانيه من طرف، وبين ذلك المجتمع والحقائق الكونية التي أحاطت به من طرف ثانٍ. فالمذكرات التي تُكتب بهذا العمق تترك أثراً طيَّباً في نفوس قُرائها لأنها تعكس البُعد الإنساني والتوثيقي للكاتب، اللذين يُمكِّن من خلالهما أن نتصور الواقع التاريخي تصوراً موضوعياً، يعيد قراءة حيثيات تلك المذكرات في إطار الأدبيات والمرويات المعاصرة لها.
    والمذكرات من حيث تكوينها العام، وغاياتها المنشودة، يمكن أن تصنَّف إلي ثلاثة أنماط رئيسة. يمثل نمطها الأول الجانب الإخباري المحض الذي يوثق لمجموعة من التجارب والأخبار والمشاهدات التي عاصرها الراوي أو اشترك في صياغتها وتشكيل حيثياتها، كما فعل ذلك الجاحظ في كتاب "الحيوان"، وأبوحيان التوحيدي في سِفْر "غربة الذات". أما النمط الثاني فيأتي في شكل تفسير لواقع يكتنفه الشك والغموض أو لتبرير مواقف حافلة بألوان شتى من الصراعات إلا أن الرأي العام كان ذاهلاً عن مقاصدها ورافضاً لحيثياتها، ويتجلى هذا النمط الدفاعي أو الاعتذاري التبريري في ترجمة ابن خلدون الموسومة بـ "التعريف بابن خلدون في رحلته غرباً وشرقاً" ، التي حاول من خلالها صاحب المقدمة أن ينصف نفسه أمام التاريخ. أما النمط الثالث فهو بمثابة توثيق للصراع الروحي الذي يعتري النفس البشرية وينقلها من عالم الشك والضلال إلى عالم اليقين العقدي والتثبت المعرفي، كما فعل ذلك أبوحامد الغزالي في رسالته المشهورة بـ "المنقذ من الضلال".
    ويُعَدُّ هذا الفن من الأدب التأريخي بأنماطه المختلفة حديث النشأة والتطور في السودان، لأن تاريخه يرجع إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي. ومعظم الذين دونوا مذكراتهم في تلك الفترة لم يكونوا من أهل السودان الخُلَّص، بل كانوا صفوة من سجناء المهدية الذين لاذوا بالفرار إلى أوطانهم أو أُفرِج عنهم بعد سقوط الدولة المهدية عام 1898م. ومن ثم فقد جاءت مذكراتهم مفعمةً بكراهيتهم لتسلط الحكومة المهدية وجبروتها، ومبررةً للغزو الإنجليزي المصري بحجة أنه سيحرر أهل السودان من "ظلم الدراويش"، وينقلهم إلى رحاب الحياة المدنية التي بشَّر بها المستعمر الأوربي آنذاك، وصاغ الحجج والبراهين المؤيدة لشرعيتها السياسية والموارية لسوأتها الإمبريالية.
    وأول مذكرات كُتبت في هذا الشأن هي مذكرات القسيس النمساوي الأب جوزيف أهرولدر الموسومة بـ "عشر سنوات أسر في معسكر المهدي (1882-1892م)" ، التي نقلها من أصلها الألماني إلى الإنجليزية يوسف أفندي كوزي، ثم هذَّبها وشذَّبها في صورتها النهائية رئيس قلم المخابرات المصرية آنذاك، رجنلد ونجت باشا، الذي وصفها بأنها تتسم بالدقة والتثبت في سرد المعلومات ذات الصلة بواقع الحال في المهدية. إلا أن هذا الإطراء "المغرض" لا يمنعنا من القول بأن مذكرات أهرولدر جاءت تحمل بين ثناياها كثيراً من الروايات الانطباعية، والأقوال المنقولة عن طريق السماع إلى الراوي الذي كان ينظر إلى المهدية ورموزها بعين السخط التي تبدي المساوئ وتغض الطرف عن كل المحاسن. فلا غرو أنَّ قراءة مثل هذه المذكرات تحتاج إلى تمحيصٍ دقيقٍ وحاذقٍ يقتضي مقارنتها مع الأدبيات المعاصرة لها وتوطينها في محيط الواقع التاريخي الذي استندت إليه.
    أما المذكرات التي أحدثت صدىً واسعاً في الداخل والخارج فهي مذكرات سلاطين باشا المعروفة بـ "السيف والنار في السودان" ، والتي دوَّنها سلاطين بعد أن هرب من أسر المهدية عام 1895م، ونقلها ونجت باشا من أصلها الألماني إلى الإنجليزية ونشرها عام 1896م. ويلتمس القارئ المتبصِّر في ثنايا "السيف والنار" سخط سلاطين وتحامله على عهد الخليفة عبدالله التعايشي بصفة خاصة، والمهدية بصفة عامة. وكما يرى محجوب التيجاني ، فإن الظروف التي عاشها سلاطين من حاكم صاحب سلطان، وجاه في دارفور إلى أسير وضيع يعتنق الإسلام خوفاً من سلطة الدولة المهدية، وطمعاً في الحياة الدنيا كانت من أهم العوامل التي أفقدته البُعد الموضوعي في سرد بعض الوقائع التاريخية، وجعلته يركن إلى النمط الاعتذاري في تبرير مواقفه المتناقضة التي سجلها بشأن اعتناقه للإسلام، وتصالحه مع الدولة المهدية ورموزها.
    ومن أهم تلك المذكرات التي كُتبت بعد سقوط المهدية عام 1898م مذكرات "سجين الخليفة" ، شارلس نيوفلد، الذي تمَّ اعتقاله بوادي القعب في شمال السودان بواسطة قوات عبد الرحمن النجومي عام 1887م، ثم بعد ذلك تم ترحيله إلى أم درمان حيث قضي معظم سنوات أسره حبيساً بسجن الساير إلى أن أفرجتْ عنه القوات الغازية عام 1898م. ولا تختلف نظرة نيوفلد (المشهور بعبد الله المسلماني في أوساط الأنصار) إلى المهدية عن نظرة غيره من الأسرى الأوربيين الذين وصفوها بالبربرية والتوحش، بل نجده قد أكَّد معظم ما جاء في مذكرات هؤلاء، وأضاف إليها ملاحظاته الخاصة. إلا أن الشئ الذي تفرَّدت به مذكرات سجين الخليفة هو محاولته اليائسة في تفنيد الاتهامات التي تعرَّض لها بسبب فشل مهمته الخاصة بتسليم صفقة من الأسلحة والذخيرة إلى ناظر الكبابيش الشيخ صالح فضل الله سالم ليواصل تآمره ضد الدولة المهدية، وبسبب خيانته للذين تعاهدوا معه لانفاذ هذه المهمة الصعبة بتسليمهم إلى قوات عبد الرحمن النجومي التي قامت بإعدامهم جميعاً. ويبدو أن نيوفلد قد استهجن هذه الاتهامات وأجمل دفوعه عنها بقوله: "بالرغم من أنني نجوت من بربرية السودان المتوحشة إلا أنني وقعت فريسة لقساوة المدنية المنمقة" .
    وبعد عامين من صدور مذكرات شارلس نيوفلد صدرت عن مطابع جريدة المؤيد بالقاهرة مذكرات إبراهيم فوزي باشا، سكرتير غردون أولاً، وسجين المهدية ثانياً، تحت عنوان: "السودان بين يدي غردون وكتشنر". وتقع هذه المذكرات في جزءين رئيسين. يتناول الجزء الأول تاريخ الحكم التركي المصري في السودان، وبتركيز على حكمدارية غردون الأخيرة (1884-1885م) وحصار الخرطوم وسقوطها في يد المهدي وأنصاره. ويتحدث الجزء الثاني عن فترة المهدية التي يصفها المؤلف بالبربرية والتوحش، ويفصِّل لتداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية علي المجتمع السوداني في الفترة التي يسميها مجازاً "السودان بين يدي غردون وكتشنر". ويعطي بعد ذلك قراءة موجزة عن قيام مؤسسات الحكم الثنائي، وكيفية تمكُّنها من إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع سودان وادي النيل.
    وزبدة القول إنَّ معظم المعلومات السياسية التي وردت في مذكرات سجناء المهدية كانت تصب في معين الحرب الدعائية التي نظمها رئيس قلم المخابرات المصرية ونجت باشا، لكسب تأييد الرأي العام البريطاني لسياسة حكومته الإمبريالية المُعْلَنة تحت مظلة "محاربة الرق"، و"الانتقام من قتلة غردون"، و"نشر قيم الحضارة والمدنيَّة في أوساط الشعوب البدائية" . وبالفعل تبلورت حصيلة هذا العمل الدعائي في تشويه صورة المهدية أمام الرأي العام الأوربي، بحجة أنها حكومة "فاشية" يجب محاربتها واستبدالها بحكومة مدنيَّة تستطيع أن "تحرر أهل السودان من ظلم الخليفة وطغيانه". ويؤكد هذا التوجه ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، بقوله: "إنَّ رواية أهرولدر قد خلقت انطباعاً واسعاً وعميقاً في أوساط المثقفين في إنجلترا عن قساوة الخليفة [عبد الله التعايشي]، وزادت رواية سلاطين خوف هؤلاء وغضبهم تجاه حكم الخليفة، وبسبب هاتين الروايتين بدأ الرأي العام يتحرك صوب سياسة إعادة الاحتلال" .
    ورغماً عن هذه التحفظات فإن مذكرات سجناء المهدية تحمل بين طياتها كثيراً من التجارب الشخصية والملاحظات المفيدة التي يمكن أن تعين القارئ المتمعن في فهم طبيعة القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تحكم دفَّة الحراك السياسي في المجتمع المهدوي، وتحدد مسارات علاقاته الأفقية بين الرعية من جهة، والرأسية بين الحاكم والمحكوم من جهة أخرى، وتوضِّح أيضاً موقف القيادة السياسية في أم درمان من الحرب الدعائية المعلنة ضدها.

    مذكرات يوسف ميخائيل
    يصنف بعض الباحثين "مذكرات يوسف ميخائيل" ضمن أدبيات الحرب الدعائية التي شُنَّت ضد الدولة المهدية ورموزها، إلا أن هذا التصنيف لم يكن دقيقاً وموضوعياً، وذلك للأسباب التالية: أولاً: إنَّ كاتب هذه المذكرات لم يكن سجيناً في المهدية، بل كان من المقربين للخليفة عبدالله والأمير يعقوب، ومن العارفين ببواطن الأمور السياسية الشيء الذي اكسب شهاداته نوعاً من الموثوقية. ثانياً: إنَّ يوسف ميخائيل كان شاهداً من الدرجة الأولى على معظم الحكايات والتجارب والمشاهدات التي رواها، وذلك بخلاف شهادات سجناء المهدية السماعية التي اتسمت بنوع من الضبابية في توثيق بعض القضايا التاريخية. ثالثاً: إنَّ مذكرات يوسف ميخائيل كُتبتْ في ظل الحكم الثنائي، وبتشجيع من أحد الإداريين البريطانيين الذين كانوا يهتمون بجمع أدبيات التراث السوداني وتوثيقها بعيداً عن روح الحرب الدعائية التي تدثرت بها مذكرات العقد الأخير من القرن التاسع عشر والأول من القرن العشرين للميلاد.
    أما من حيث الموضوع فقد وثقت مذكرات يوسف ميخائيل لألوان طيف شتى من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية المثيرة للجدل، التي يمكن أن نجملها في المحاور التالية:
    • يسلط المحور الأول (1872-1880م) الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في كردفان قبل اندلاع الثورة المهدية، ويعكس السمات العامة لذلك المجتمع الذي ولد فيه يوسف ميخائيل، وعاش أيام صباه الأولى، ثم يتناول طبيعة العلاقة السياسية-الروحية التي نشأت بين الداعية الصوفي محمد أحمد بن عبد الله (لاحقاً المهدي)، ونفر من أعيان مدينة الأبيض وصُلحائها.
    • ويقدم المحور الثاني (1881-1883م) مشهداً حيَّاً لأحداث الثورة المهدية في كردفان، بدءًا بهجرة المهدي إلى جبل قدير، وانتهاءً بحصار الأبيض وتحريرها على أيدي الأنصار، ثم بعد ذلك يفصِّل لمجاهدات الأنصار وتحركاتهم السياسية والعسكرية صوب الحاضرة الخرطوم التي حُررت في يناير 1885م، وبتحريرها قضى الأنصار على رمز السيادة التركية، وشيدوا على أنقاضه القواعد الأساسية لدولة المهدية، وحاضرتها في أم درمان.
    • ويناقش المحور الثالث (1885-1899م) فترة حكم الخليفة عبد الله التعايشي التي كانت تعج بالصراعات الداخلية بين الخليفة وخصومه السياسيين، ويتطرق أيضاً لسياسة المهدية الخارجية، والتحديات التي كانت تواجهها على الصعيديين الإقليمي والدَّولي، ويبيِّن كيف تجسدت هذه التحديات في دحر قوات المهدية في واقعة كرري عام 1898م، والقضاء على الخليفة عبد الله، وجملة من أعوانه المخلصين في واقعة أم دبيكرات عام 1899م.
    • ويعطى المحور الرابع (1898-1934م) لمحة سريعة عن حالة الفوضى التي شهدتها أم درمان بعد هزيمة الأنصار في واقعة كرري، وبعد ذلك يفصِّل لرحلة يوسف ميخائيل إلى مصر، ثم عودته إلى السودان، وطبيعة المهام الإدارية والتجارية التي تقلدها إلى أن استقرَّ به المقام في مدينة الأبيض حيث أضحى مسؤولاً عن إدارة عدد من مطاحن الغلال التي يمتلكها أخوه إسحاق شراكة مع الخواجة إلياس تفايه.

    يوسف ميخائيل: الرجل والتجربة
    ينتمي يوسف ميخائيل مليكه إلى أسرة قبطية تمتد جذورها إلى مصر. وقد قَدِم والده إلى السودان ضمن أربعين كاتباً بُعثوا من مصر لترقية الأداء الإداري في مديريات السودان المختلفة . وبوصولهم إلى الخرطوم عام 1839م تمَّ توزيعهم على عدد من المراكز الإدارية، ومن ضمنها رئاسة مديرية كردفان بالأبيض حيث بدأ ميخائيل مليكه حياته العملية هناك. وحسب رواية يوسف فإن أسرة ميخائيل مليكه كانت تتكون من ثلاثة أبناء ذكور هم: جورجيوس، ومليكه، ويوسف، وعدد من الإناث. ولم يعط يوسف تاريخاً محدداً لميلاده، ولكن أَغْلَب الظن أنه قد ولد عام 1865م، لأنه يذكر في مذكراته أن عمره كان اثنى عشر عاماً عندما زار الجنرال غردون مديرية كردفان عام 1877م. وبعد وفاة والده عاش يوسف في كنف أخيه الأكبر جورجيوس الذي أُوكلت إليه مهمة رعاية الأسرة.
    بدأ الصبي يوسف حياته الباكرة تلميذاً في كُتَّاب مدينة الأبيض ليتعلم الكتابة، والقراءة، ومبادئ الحساب، وحفظ المزامير غيباً. وبعد أن أكمل تعليمه في كُتَّاب المدينة نُقل إلى رئاسة مديرية كردفان بالأبيض ليُدرَّب علي العمل الكتابي، والشؤون الحسابية. وقبل أن يحصل يوسف على وظيفة ثابتة في الميري (أي الحكومة) اندلعت الثورة المهدية في الجزيرة أبا، وأمتد أثرها إلى مديرية كردفان. وكان يوسف آنذاك من جملة سكان الأبيض الذين شغلوا أنفسهم بتحصين المدينة، وتأمين خطوطها الدفاعية في وجه الثوار المهدويين، وأنصارهم من عربان كردفان. وفي هذه الظروف الحرجة كان يوسف العائل الوحيد لشؤون أسرته، لأن أخويه جورجيوس ومليكه كانا في مأمورية لمدينة بارا التي حاصرتها قوات الأنصار. وبعد تحرير مدينة بارا وقعا في أسر المهدية، وحفاظاً على نفسيهما أعلنا ولاءهما للثورة المهدية، وبايعا الإمام المهدي في ديم الجنزارة خارج مدينة الأبيض. وفي ضوء هذا التحول العقدي-السياسي عدَّل المهدي اسم جورجيوس إلى إسماعيل ومليكه إلى إسحاق، ومنحهما الأمان لأفراد أسرتهما الذين كانوا يقيمون داخل مدينة الأبيض المحاصرة. ويصف يوسف واقع الحال داخل المدينة بقوله:
    وأما نحن أهل القيقر من بعد ما كنا في نعيم صرنا في جحيم بخصوص العيش من مدة أربعة شهور خلص، من شدة الحصار، الربع من بعد ما كان بعشرة ريال صار بتلاتين ريال، وتاني يصبح بخمسين ريال، وعلى هذا الحال في الشهر الخامس حصَّل مايتين ريال، وفي السادس مايتين وخمسين لغاية ما بلغ تلتماية وخمسة وعشرون ريال بمبلغ 65 جنيه خمسة وستون جنيه ذهب. والناس تأكل في الهجليج والشجر وقش الرجله الناشفه والصمغ وأولاد القرض يقلوه في الدوكه. والصمغ البعض منه يعملوا كسره والبعض يقلوه في الدوكه، ولحم الحمير الاقه خمسين ريال والحصان سبعين ريال الاقة. وجلود العناقريب أكلوها جميعها .

    وقبيل تحرير مدينة الأبيض بثلاثة أيام فقط (أي في يوم 16 يناير 1883م) خرج يوسف بمعاونه إخوته من رحم معاناة الحصار إلى رحاب الحياة المهدوية التي كانت تمثل بالنسبة له تجربة ثرة مملوءة بالمخاطر والمفاجآت. وفي بادئ عهده بالمهدية صحب يوسف أخاه إسماعيل الذي عُين كاتباً لقبيلة الغديات في وسط كردفان، وبعد ذلك رافقت الأسرة جيوش المهدية المتوجه صوب الخرطوم، وفي هذه الأثناء عُين يوسف ملازماً للإمام المهدي، ثم كاتباً في الراية الزرقاء التي كانت تعد أقوي ألوية الجيش المهدوي من حيث العدة والعتاد.
    وبعد تأسيس مدينة أم درمان حاضرة للدولة المهدي ظل يوسف كاتباً للراية الزرقاء و بيت المال العمومي. وبعد واقعة توشكي في الثالث من أغسطس 1889م قام الخليفة بتقسيم الرعايا الأجانب الذين يسكنون أم درمان إلى وحدات شبة عسكرية لكي يفرض عليهم رقابة أمنية صارمة. وقد شمل هذا التقسيم المغاربة والمسالمة (المسلمانية) والأقباط. وفي ضوء هذه الترتيبات الأمنية انتخب الأقباط الأمير يوسف ميخائيل مُقدَّماً لجاليتهم القبطية، وذلك بجانب مهامه الكتابية في الراية الزرقاء، وبيت المال العمومي.
    ويبدو أن يوسف ميخائيل كان مُلماً بخيوط اللعبة السياسية في الدولة المهدية الشيء الذي أهله لكسب ود الأمير يعقوب الرجل الثاني في الدولة، وأضحى في نفس الوقت من المقربين للخليفة عبد الله التعايشي الذي اصطفاه كاتماً لأسراره. فلا جدال في أن هذا الدور المحوري يؤكد قدرة يوسف ميخائيل على إظهار ولائه الزائف لقيادة المهدية. ونستوثق في هذا الشأن بمشهد من مشاهد الحوار الذي دار بينه وبين الخليفة عبد الله حينما استدعاه في جلسة خاصة، وقال له: "أفهم تمام يا ولدنا يوسف أنا ما طلبتك إلا لأجل ما نعلمك أنا بحثت في طريقك وفي كل مجلس أنت تكون فيه. وسألت مخصوص السيد المكي، وخلافه عنك ليس وجدت إنسان قال ليَّ في حقك كلمه، ولا تفوهت لأي إنسان بكلام يكون خاص بأي مصلحة في أمر الدين. ولذلك صرت مسرور منك، وجعلتك كاتم أسراري واتخذتك [94] كمثل شيخ الدين ابني" . ويرد يوسف على هذه التزكية الرفيعة بقوله: "الله يطول لنا عمرك يا سيدي أنت نورنا في الدنيا ووسيلتنا في الآخرة، إنَّ شاء الله تعالى وبنفس خليفة المهدي عليه السلام نخدم سيادتكم بكل الصداقه والأمانه".
    وبعد هزيمة الأنصار في واقعة كرري عام 1898م خلع يوسف ميخائيل عن نفسه جُبة المهدية التي كان يرتديها تقيِّة، وعاد إلي ترتيب أموره الحياتية في ظل نظام الحكم الإنجليزي المصري الجديد. وفي هذه الأثناء استلم خطاباً من بطريك الكنيسة القبطية في مصر، يستفسر فيه عن أحوال الجالية القبطية في السودان، وردَّ عليه يوسف بخطاب آخر مطمئناً إياه بأحوال الأقباط السودانيين. وبعد ذلك مباشرة شدَّ يوسف رحاله إلى مصر حيث قضى فترة من الزمن، أعاد فيها ولاءه للكنيسة القبطية وزار عدداً من معارفه وأصدقائه في القاهرة وغيرها من المدن المصرية، ثم قفل راجعاً إلى السودان. وبعد أن حطَّ رحاله بمدنية أم درمان أسس محلاً تجارياً لمزاولة الشراء والبيع، إلا أنه لم يدم فيه طويلاً حيث انتقل للعمل وكيلاً في منطقة النيل الأزرق للتاجر عمر الصافي الذي كان يعمل في مجال تجارة الحبوب (الذرة والسمسم)، والصمغ العربي، وسن الفيل. وبعد أن صفى يوسف ميخائيل حساباته مع السيد عمر الصافي انتقل للعمل وكيلاً لشركة استعمار السودان التي كانت تتاجر في الذرة والصمغ العربي، إلا أنه اختلف مع إدارة الشركة وعاد إلى مدينة الأبيض حيث أسس محلاً تجارياً، ثم بعد ذلك انتقل لإدارة عدد من مطاحن الغلال كان يمتلكها أخوه إسحاق شراكة مع الخواجة إلياس تفايه.
    وهذه هي الفترة التي تعرَّف فيها نائب مفتش مركز وسط كردفان، السيد إ. ف. أقلن، على يوسف ميخائيل وتجاذب معه أطراف الحديث حول تاريخ مدينة الأبيض قبل الغزو الإنجليزي المصري. وفي أغسطس عام 1934م فوجئ السيد أقلن بوجود يوسف ميخائيل وزوجته فكتوريا في إحدى حراسات سجن الأبيض، بتهمة صناعة الخمور البلدية، وكانت دفوع فكتوريا تتمثل في أنها صنعت الخمر كعلاج لزوجها يوسف الذي كان يعاني من داء "الربو"، إلا أن هذه الدفوع لم تشفع لها ولزوجها الذي قرر مرافقتها في الحبس، ومن ثم حُكم عليهما بالسجن مدة شهر كامل. واستثماراً لهذا الحادث المحزن فقد حاول السيد أقلن أن يمد يوسف ميخائيل الذي كان يبدو "واهن البدن مُبْيض الشعر" بقلم رصاص ومجموعة من القراطيس ليوثق تاريخ حياته الزاخر بالتجارب والعبر. وفي ظل هذه الظروف دوَّن يوسف ميخائيل مذكراته التي أضحت فيما بعد مصدراً مهماً من مصادر تاريخ السودان الحديث.

    توصيف المخطوط
    يتكون مخطوط يوسف ميخائيل الذي أعده عام 1934م من 138 صفحة من القطع المتوسطة الحجم، وتقدر مساحة الصفحة الواحدة بـ 18x27 سنتمتراً مربعاً. وصفحات المخطوط مرقمة باطراد، إلا أن الترقيم يبدو مزدوجاً، علماً بأن هناك أرقاماً مطبوعة أصلاً على أوراق المخطوط، وأخرى من صنعة المؤلف تبدأ بالرقم (1) وتنتهي بالرقم (138). والملاحظة الملفتة للنظر هي أن المؤلف يكرر الرقم (12) تكراراً طردياً ثم يتنقل إلى الرقم (13)، وحسب رأي صالح محمد نور أن هذا التكرار يدل على أن المؤلف كان من الذين يتشاءمون من الرقم (13) ، إلا أن هذا الزعم مردود لأن الرقم (13) يوجد في المخطوط الأصل. وتوجد بين أوراق المخطوط ورقة غير مرقمة، وتحمل العبارات التالية: "وما توفيقي إلا بالله. بمديرية كردفان. غرودن السودان. يوسف مخاييل. تحرير في 15/12/ سنة 1934م". وقد عَدَّها صالح محمد نور من ضمن أوراق المخطوط وأعطاها الرقم (139). وتوجد أوراق أخرى مع المخطوط وضعها صالح محمد نور في ثلاثة ملاحق منفصلة، وهي تحوي تقديم إ.ف. أقلن للمخطوط، وخريطتين عن مدينة الأبيض، والمواقع السكنية والإدارية الملحقة بها إلى عام 1882م، ويبدو أن هذه الخرائط قد صممها أقلن في ضوء المعلومات التي حصل عليها من يوسف ميخائيل، ومن موظف سوداني في مديرية كردفان يدعى عثمان أفندي عبد الله.
    وقد استعمل المؤلف قلم الرصاص، وأحياناً قلم الكوبيا في تدوين صفحات المخطوط التي رسمها بخط رقعة واضح ومقروء، إلا أنه خالٍ من علامات التنوين، واصطلاحات الضبط المختلفة. ويظهر على متن المخطوط، وهوامشه بعض الكلمات الإنجليزية، التي تبين أن هناك شخصاً قد اطلع عليه، وحاول أن يترجم بعض مفرداته إلى اللغة الإنجليزية.
    وقد جاء المخطوط دون عنوان رئيس، إلا أن المؤلف يشير إشارة ضمنية إلى عنوان المخطوط بقوله: "إنَّ محرر هذا التاريخ [هو] يوسف ابن المعلم ميخاييل مليكة القبطي السوداني"، ثم يخصص هذا الإطلاق بقوله: "أنه بعون الله وحسن توفـ[ـيـ]ـقه قد تم تاريخ حياتي على جميع الوقايع التي حصلت ليِّ، [و] الشي الذي حصل علي يدي، والذي كان في زمن حياتي" . ويذكر أيضاً على صفحة الورقة الملحقة بالمخطوط عبارة "غردون السودان". لذا فإن غياب العنوان الناشئ أصلاً من صنعة المؤلف قد جعل الذين اطلعوا على المخطوط لاحقاً يختلفون في تسميته، فيطلق عليه أقلن "السيرة الذاتية ليوسف ميخائيل"، ويسميه هولت "غردون السودان" ، أما صالح محمد نور فينعته بـ "مذكرات يوسف ميخائيل"، محتجاً بشمول مقترحه وموافقته مع محتويات المخطوط مقارنة مع الخيارات الأخرى . وتبنت طبعة دار النصيري غير المحققة هذا المقترح وأضافتْ إليه عنواناً توضحياً آخر، ليصبح العنوان الكامل: "مذكرات يوسف ميخائيل عن أواخر العهد التركي والمهدِّية بالسودان" . بالرغم من تحفظنا على مصطلح مذكرات إلا أننا نجده أنسب الخيارات المتاحة، ومن ثم فإننا نستحسنه عنواناً لهذه الطبعة المحققة مع اجراء تعديل طفيف ليُقرأ هكذا: "مذكرات يوسف ميخائيل: شهادة شاهد عيانٍ على التركية، والمهدية، والحكم الثنائي في السودان".

    لغة المخطوط

    كُتب المخطوط بلهجة عربية عاميِّة تغلب عليها سمات اللسان الكردفاني. وكردفان هو إقليم في غرب السودان، مترامي الأطراف يضم بين جنباته بيئات متباينة من حيث طبيعتها الجغرافية، وتركيبتها البشرية. وقد جعله هذا الواقع البيئي موطناً خصباً لتنوع مفردات اللهجة العامية الكردفانية التي اتخذت من العربية الفصحى قاعدة لها، ثم جمعت بين دفتيها ألوان طيف شتى من اللهجات المحلية والمفردات المتنوعة بتنوع طبيعة الأنشطة البشرية، وثقافة العنصر الوافد إلى كردفان من داخل السودان وخارجه، لأنَّ كردفان في نظر أهلها وهؤلاء الوافدين كانت تُعرف بـ "كردفان الغَرَّة أم خيراً جُوَّا وبَرَّا" .
    وتتمثل السمات العامة للغة هذا المخطوط في إبدال حروف بعض مفردات العربية الفصحى بحروف أخرى مثل إحلال المؤلف للهاء محل الحاء، والتاء محل الثاء، والسين محل الثاء، والصاد محل السين، والتاء المفتوحة محل التاء المربوطة، كما في قوله "روهنا" بدل روحنا، و"كتير" بدل كثير، و"مكس" بدل مكث، و"خصيصه" بدل خسيسة، ووظيفت بدل وظيفة. ويميل الكاتب أيضاً إلى حذف الهمزات بأنواعها المختلفة كما في قوله "الما" بدل الماء، و"المومنين" بدل المؤمنين، و"العايلات" بدل العائلات، و"ياكل" بدل يأكل. ويوجد في المخطوط أيضاً إدغام في حالات إلتقاء بعض حروف الجر مع بعض الكلمات أو أسماء الإشارة كما في قوله "عليذلك" بدل على ذلك، و"فيذلك" بدل في ذلك، و"عليد" بدل على يد، و"عليمايرام" بدل على مايرام. وهناك تحويل للحركة القصيرة إلى حركة طويلة كما في قوله "الجيهات" بدل الجهات، "، أو زيادة حرفين كما في اكام" بدل كم. أما الحذف فهو أكثر السمات شيوعاً في المخطوط كما فعل المؤلف بعض المفردات مثل "ود" بدل ولد، و"بت" بدل بنت. ولا يفرق المؤلف أيضاً بين أسماء الإشارة المذكرة والمؤنثة بل يميل في معظم الأحيان إلي التذكر دون التأنيث.
    ويوجد بين ثنايا المخطوط بعض المفردات التركية مثل باشا، وباشكاتب، وأغا، باشبوزق، وسنجك، وأفندي، وترسانة، وجبخانة، ودفترخانة، وطبرخانة، وقيقرة، وأُرطة، وطبجية؛ وبعض المفردات السودانية مثل عنقريب، وقربة، وبرمة، ودميرة، وبُتاب، وشرموط، وطابونه، وبرش، وميس، وفلقة، ومُركب، وراكوبة، وأم بايا؛ وبعض المفردات اللاتنية المُعَرَّبة مثل كنترات أو كنتراتو، ومكنه، ورمنتون، وتليان، وورشه، واسبتالية، وكل هذه المفردات ومثيلاتها تم شرحها في مواضعها.

    القيمة العلمية للمخطوط
    أولاً: إنَّ أهمية المخطوط تكْمُن في قراءته التفصيلية للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته كردفان قبيل ظهور المهدية، وفي عرضه لدينامية الصراع المحلى التي أسهمت إسهاماً فاعلاً في نجاح الثورة المهدية في ذلك الإقليم. ويضاف إلى ذلك أنه يمثل رواية شاهد عيان تابع معظم أحداث ذلك المشهد السياسي عن قُرب ودوَّن حيثياته تدويناً دقيقاً لا تضاهيه إفادات الذين عاصروا جزءاً من تلك الأحداث، أو وثقوها عن طريق إفادات سماعية. وبناءً على ذلك فإن القراءة الفاحصة لمذكرات يوسف ميخائيل تقودنا إلى الخروج من دوامة التفسير الأحادي للتاريخ الذي يعزي مثلاً نجاح الثورة المهدية في كردفان إلى الدور الكارزمي الذي لعبه محمد أحمد بن عبدالله (المهدي). إننا لا ننكر ذلك الدور، لكننا نُرجِّح الرأي أن الاعتقاد بأُحاديته فيه تجاهل واضح لدقائق البيئات المحلية التي كانت تحكم حركة المجتمع الكرفادني الذي كان يمثل أكثر المجتمعات ملاءمة لاستقبال الثورة المهدية، وتفعيل آلياتها. وأوثق شاهد يرويه لنا يوسف ميخائيل في هذا المضمار هو الصراع الذي حدث بين إلياس باشا أم برير ، وأحمد بك دفع الله عقب تعيين الأول مديراً على مديرية كردفان، فلا شك أنه كان صراعاً محكوماً بظروف محلية صرفة تتجلي في الخصومة المصلحية بين الرجلين التي أفرزها التنافس التجاري في سوق الأبيض آنذاك، ويتجلى أيضاً في الكراهية التقليدية بين الجلابة وزعماء عشائر كردفان التي يجسدها الصدام المسلح الذي نشب بين مدير مديرية كردفان إلياس باشا أم برير، والشيخ علي كنونه الزعيم التقليدي لقبائل وسط كردفان، ويمكننا أيضاً أن نضيف إلى هذين البُعدين بُعداً آخر يتبلور في رفض أهالي كردفان لسلطة الحكومة التركية المركزية، وتشوقهم إلى ظهور "مهدي منتظر" يخرجهم من غياهب الظلم والجور الذي كانوا يعانون منه إلى رحاب العدالة والحرية التي يتوقعون أنهم سيتفيؤون ظلالها الوارفة بعد قيام دولة المهدية. ومحصلة القول إنَّ هذه المواقف السياسية المتباينة قد قادت إلى انشطار مجتمع كردفان إلى معسكرين: معسكر أقلية يمثله أنصار الحكومة والمستفيدون منها، ومعسكر أغلبية يتكون من الفئات المعارضة للحكم التركي، إلا أن تلك المعارضة كانت تفتقر إلى آليات توظيفها توظيفاً جماعياً يسهم في القضاء على نظام الحكم القائم آنذاك.
    ثانياً: إنَّ مذكرات يوسف ميخائيل الذي عمل كاتباً في الراية الزرقاء وبيت المال العمومي، وأميناً لأسرار الخليفة عبد الله التعايشي تقدم لنا عرضاً توثيقياً لدور الصراع الجهوي والقبلي في إضعاف الانتماء الوطني للدولة المهدية، وتبيِّن كيف حوَّل ذلك الصراع سيادة الدولة المهدية إلى سيادة قبيلة تحكمها التطلعات السياسية للخليفة عبدالله وأخيه يعقوب وابنه عثمان شيخ الدين. وبجانب ذلك تعكس الحضور الديني (أو الغيبي) الكثيف المرتبط بفاعلية الحضرات النبوية، والرؤى المنامية، والخرافات في صناعة القرار السياسي في أم درمان، وتوضح أيضاً كيف ولَّد الاستبداد وعدم الاعتداد بالرأي الآخر نوعاً من النفاق السياسي الذي يرقى إلى درجة الخيانة الوطنية عندما واجهت الدولة المهدية عدواً خارجياً شرساً. فلا عجب في أن تلك المشاهد التاريخية قد أسهمت في تكوين العقلية السياسية السودانية في القرن التاسع عشر الميلادي، وهي أيضاً تصلح كخلفية تاريخية لتحليل المشهد السياسي المعاصر، وفهم طبيعة القوى السياسية التي تحكم عملية تنازع السلطة والولاء في السودان.
    ثالثاً: إنِّ المخطوط كما ذكرنا من قبل كُتب بلهجة عربية عاميِّة يغلب عليها الطابع الكردفاني، الذي يؤكد امتزاج العناصر العربية الوافدة بالسكان الأصليين من النوبة، والفور، والقبائل النيلية، وذلك إضافة إلى المفردات الإدارية التي جاءت مصاحبة لنظام الحكم التركي المصري، ثم أصبحت تدريجياً تشكل جزءًا لا ينفصم من نسيج اللهجة العاميِّة الكردفانية. ومن هذه الزاوية فإنِّ المخطوط يُعَدُّ مرجعاً مهماً بالنسبة للمهتمين بالدراسات اللغوية والدراسات الاجتماعية التي تستخدم اللغة أداة من أدوات تحليل التمازج الاجتماعي، وتتبُّع هجرات الجماعات البشرية عبر الزمان والمكان.
    رابعاً: إنَّ النظرة الشمولية للتاريخ تقضي أن نقرأ مذكرات يوسف ميخائيل القبطي قراءة نقدية مقرونة بقراءة الأدبيات المعاصرة لها، مثل كتابات إسماعيل عبد القادر الكردفاني، سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي/الطراز المنقوش ببشرى قتل يوحنا ملك الحبوش، وأوراق السيِّد علي المهدي، جهاد في سبيل الله، ومذكرات الشيخ بابكر بدري، تاريخ حياتي، وأدبيات سجناء المهدية التي تغلب عليها السمة الدعائية المضادة للمهدية كما ذكر آنفاً، وفوق هذا وذاك يجب أن تعطى الأولية لوثائق المهدية التي نشرها محمد إبراهيم أبوسليم والتي لازالت محفوظة في أضابير دار الوثائق القومية بالخرطوم.

    منهج التحقيق: تقويم النصّ
    اعتمدتُ في تقويم النصّ على نسخة مصورة من أصل المخطوط توجد بدار الوثائق القومية بالخرطوم؛ واستأنست أيضاً بصورة من النسخة التي نسخها صالح محمد نور من صورة النسخة الأصلية المودعة بمكتبة مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن؛ ووقفت على طبعة المخطوط الصادرة عن دار النصيري للنشر بلندن التي يؤكد الناشر أنها طبعت من نسخة مكتبة مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية، ثم يُزيِّل لتصديره لها بقوله: "هذا الكتاب يأتي في الصورة التي جاءت عليها تلك المخطوطة انتظاراً لتحقيقه من قبل أهل العلم" . وفي ضوء هذه التوطئة يمكننا أن نجمع الرأي على أنَّ أصل المخطوط واحد لا اختلاف عليه، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين نسخة المخطوط الأصل والنسخ التي نقلت عنها؟
    أولاً: إنَّ نسخة صالح محمد نور تختلف عن النسخة الأصلية من حيث الترقيم، لأنها جاءت ملحقاً لأطروحته التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية عام 1962م، ويبدأ ترقيمها بالرقم (1) وينتهي بالرقم (130)، إضافة إلى ذلك فإنََّ صالحاً يذكر أرقام المخطوط الأصل في الهامش الأيسر، ويحذف ألف واو الجماعة الواردة في مفردات النص، ثم يصوب في الحواشي بعض المفردات التي تعرضت لإبدال، أو حذف، أو تصحيف، أو سَقْطٍ مُخِلٍّ بألفاظ تلك المفردات أو معانيها. وكما ذكرنا من قبل فإنه قد ألحق ثلاثة ملاحق بالمخطوط، شملت تقديم أقلن للمخطوط، وخريطتين لمدينة الأبيض وضواحيها في عام 1882م.
    ثانياً: إنِّ طبعة دار النصيري يبدو أنها منقولة من نسخة صالح محمد نور، لأن الناشر نقل معظم الملاحظات اللغوية التي وضعها صالح في حواشي الملحق إلى متن النسخة المطبوعة واضعاً إياها بين أقواس. وجاء ترقيم النسخة أيضاً مختلفاً عن ترقيم المخطوط الأصل وعن ترقيم صالح محمد نور، إذ إنه يبدأ بالرقم (1)، وينتهي بالرقم (90). ويضيف الناشر أيضاً في نهاية الكتاب نصَّ التقديم الذي كتبه إ.ف. أقلن عن المخطوط، ويكتب على الغلاف الداخلي الأيمن مقدمة تحوي بعض العبارات المقتبسة من تقديم أقلن، ثم يعرض بعض انطباعاته الشخصية عن المخطوط في الغلاف الداخلي الأيسر، إذ يقول: "على حين أنه لا تعنينا الأحكام السياسية التي حملتها مذكرات يوسف ميخائيل فنحن لا يسعنا إلا الاعتراف بطرافتها، وبكونها شهادة شخصية إن لم تدل على أحداث بعينها فهي تنهض نموذجاً على الصورة التي رأي بها يوسف ميخائيل نفسه وزمنه أو على تلك الصورة التي ارتأى تقديمها باعتبارها صورة مناسبة من ذلك الزمن. وبين هذا وذاك فنحن مأخوذون بعاميِّة الكاتب التي نرجو ألا تكون الأقواس قد أفسدت الكثير من الاستمتاع بها".
    أما فيما يخص تقويم النص، فقد راجعت منشورات المهدي الأربعة التي أوردها يوسف ميخائيل في صدر المخطوط وعجزه مع نصوصها التي حققها محمد إبراهيم أبوسليم في مصنفه الموسوم بـ "الآثار الكاملة للإمام المهدي"، وكذلك ضبطت الآيات القرآنية الواردة في المنشورات، وخرَّجتها حسب ما جاء عليه رسم المصحف الشريف، على قراءة حفص عن عاصم، وصححتُ بعض الكلمات في المتن وأشرتُ إلى أصولها في الحواشي، وتركتُ بعضاً، ومعيار التصويب في هذا الشأن كان قائماً على أسس أن الإغلاب أو الإبدال أو التصحيف قد أفسد معاني بعض الكلمات، وجعل قراء بعضه غير ميسورة للقارئ غير المتفقه في العامية السودانية.
    والتزمتُ في الحواشي بوضع تعريفات قصيرة للشخصيات المهمَّة التي ذكرها يوسف ميخائيل، والمواقع التاريخية، والمدن الرئيسة، والمفردات الغريبة في اللهجة العاميِّة الكردفانية، والدخيلة عليها. ثم بعد ذلك عالجت المشكلات اللغوية التي ترتبط بالإبدال، والحذف، والإغلاب، والإدغام، والتصحيف، والسقط المخل بنطق الألفاظ أو معانيها. وبالنسبة للقضايا الخلافية مثل حادث اغتيال غردون، وسبب وفاة المهدي، ووقائع مذبحة المتمة وتداعياتها، فقد قمتُ بعرض الرأي الآخر المخالف لرأي يوسف ميخائيل، آملاً أن يسهم هذا العرض في التثبت من صِحة الوقائع التاريخية المشار إليها وغيرها، ويفسح المجال للحوار التاريخي، وسماع الرأي، والرأي الآخر.
    أما فيما يخص ترتيب المخطوط وتبويبه، فقد قسمت مادته إلى سبعة فصول، وأربعة ملاحق، ووضعت لكل فصل العنوان الذي يناسب المادة الواردة بين دفتيه، ووضعت بعض العناوين الجانبية حيث يقتضي السياق. وشملت الملاحق منشورين للإمام المهدي وضعهما يوسف ميخائيل في نهاية المخطوط، وخطاباً أصدره الخليفة لأهالي المتمة حَصلتُ عليه من مكتبة ب.م. هولت الخاصة، وتقديم السيد أقلن للمخطوط. ثم وضعت بين عاكفتين في متن النسخة المحققة رقم كل صفحة من صفحات المخطوط الأصل.
    وفيما يخص تقويم النص حسب ما يقتضي السياق من حذف، أو إضافة، أو إعادة ترتيب أو تبويب، فقد التزمت بوضع علامات الترقيم التالية:

    العاكفتان المتقابلتان [ ] لحصر كلام ساقط أو حرف أو كلمة أو عبارة أضافها المحقق أو وجدها في مصدر آخر.
    العاكفتان المتقابلتان وتتوسطهما علامة استفهام [؟] لتوضيح العبارات أو المفردات غير المقروءة في المخطوط.
    العاكفتان المتقابلتان وتوسطهما أسهم هكذا [<<<] لتحويل عنوان، أو تقديم للمؤلف، أو موضوع من موضعه الأصل إلى موضع آخر.
    العاكفتان المتقابلتان وتتوسطهما أسهم هكذا [>>>]. لإدخال عنوان، أو تقديم للمؤلف، أو موضوع من موضعه الأصل إلى موضع آخر.
    علامتا الإقتباس ﴿ ﴾ لضبط الآيات القرآنية.
    علامتا التنصيص " " لضبط النصوص والروايات المنقوله من مصادرها على وجه التثبت.

    شكر وتقدير
    يسعدني في الختام أن أسدى الشكر الخالص إلى دار الوثائق القومية بالخرطوم ومدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن اللتين حفظتا هذا المخطوط ضمن مقتنياتهما التاريخية، وجعلتا مادته ميسورة للباحثين في مجال الدراسات السودانية؛ والشكر أجزله إلى المرحوم الدكتور صالح محمد نور الذي ترجم هذا المخطوط من أصله العربي إلى الإنجليزية، جاعلاً مادته متاحة لنطاق أوسع من الباحثين، وإلى دار النصيري التى نشرت المخطوط في طبعة متواضعة وأوصت بتحقيقه من قِبْل ذوي العلم والدرايَّة، بحجة أنه يحمل بين جوانحه مادة علمية مهمة عن تاريخ السودان الحديث.
    ويطيب ليَّ أن أعبر عن جزيل امتناني لزملائي الأجلاء بالجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا: البروفسور حسن أحمد إبراهيم، والبروفسور أحمد عبد الرحيم نصر، والدكتور عادل الشيخ عبدالله، والدكتور صالح محجوب التنقاري، لما قدموه من ملاحظات علمية وإرشادات معرفية أثمرت في تقويم النص وعرضه بالصورة الماثلة بين يدي القارئ الكريم.
    والشكر والعرفان أجزله إلى مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان الذي "أصبح مع مرور الأيام منبر الثقافة الرئيس للقُراء السودانيين في الوطن وفي أقطار الشتات" ، وإلى راعي هذا المنبر الثقافي الأستاذ محمود صالح الذي أولى اهتماماً خاصاً بنشر هذا المخطوط ليكون ضمن منشورات المركز الدوريَّة التي اشتملت على قائمة طويلة، جاءت في مقدمتها مجموعة "الوثائق البريطانية عن السودان"، وإصدارات أخرى وثَّقت لعدد من رموز الثقافة السودانية وروادها الأوائل.

    أحمد إبراهيم أبوشوك،
    قسم التاريخ والحضارة،
    الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا،
    25 ديسمبر 2003م

    [/size]


    ----------------------------------------

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 7:45 pm